حسن الأمين

43

مستدركات أعيان الشيعة

شيراز حين سمع بقدوم « آقا محمد خان » إلى أصفهان ، والحال أن « لطف علي خان زند » كان يومئذ في شيراز ، عاد إليها فورا من الجنوب ليقابل خصمه بالحرب حين عرف بمسيره إليه ؟ ! تذهيب مقام علي ( ع ) بعد عودة « آقا محمد خان » من أصفهان طلب إحضار أمهر صاغة إيران إليه . فاحضروا من كل من أصفهان و « كرمان شاه » و « بروجرد » ثلاثة منهم . فأمرهم بصنع ضريح من الذهب لمقام الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) وخصص له مبلغ سبعين ألف تومان . وتظهر ضخامة هذا المبلغ بالنسبة إلى قيمة النقد في تلك الأيام إذا علمنا أن راتب « قائد الفوج » - وهو من أعلى المناصب العسكرية - كان يومئذ عشرة تومانات في الشهر . فقاموا بصنع الضريح وحمل إلى النجف حيث نصب في مقام الامام . نصب ولي العهد ومما قام به من أعمال أيضا بعد عودته من أصفهان نصبه ابن أخيه « فتح علي خان » المعروف بلقب « خان بابا جهان باني » وليا لعهده . وكان « آقا محمد خان » لا يعتقد بالطوالع التي يقول بها المنجمون ولا بخصائص الأيام من سعد ونحس . بخلاف غيره من ملوك تلك الأيام ومن سبقهم من الملوك إذ كانوا لا يعزمون على الأمور المهمة إلا بعد استشارة المنجمين وتعيينهم اليوم الموافق للقيام بالعمل . ولكن حاشيته ما زالت تلح عليه بان يستشير المنجمين لتعيين يوم سعد لنصب ولي العهد حتى أذعن لهم . ورأى المنجم أن السابع والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة 1204 ه‍ - يوم السعد الصالح لنصب ولي العهد . فاصدر مرسوم تعيينه في ذلك اليوم . وجلس ولي العهد يتقبل تهاني أعيان إيران بحصوله على هذا المنصب . على أن بين المؤرخين الإيرانيين اختلافا في تعيين تاريخ نصب « فتح علي خان » وليا للعهد . فمنهم من قال سنة 1204 ه‍ ، كما ذكرنا . ومنهم من قال سنة 1208 هومنهم من قال سنة 1211 ه‍ . وذكروا أن إقدامه على نصب ولي عهد هو إحساسه بشيء من التوعك في مزاجه . فخشي أن يصيبه أمر قبل تعيين ولي عهد يخلفه ، ويقع النزاع بين أمراء الأسرة على خلافته ، وقد ينحى عنها « فتح علي خان » خلافا لإرادته ، إذا كان ، من بادئ أمره ، يرشحه لخلافته . فبادر إلى حسم هذا النزاع المحتمل قبل وقوعه . وحين شعر بالتوعك شخص طبيبه سبب المرض بأنه الحمية التي يواظب عليها « آقا محمد خان » . وأشار عليه بان يزيد في مقدار الطعام الذي يتناوله ، فرفض وظل متبعا نظامه المعتاد في الطعام . والظاهر أن مرضه ذاك هو ما يعرف اليوم بانخفاض ضغط الدم . مقتل جعفر قلي خان قاجار في سنة 1204 ه‍ - وهي سنة نصب « خان بابا جهان باني » وليا للعهد بناء على إحدى الروايات - عزم « آقا محمد خان » على قتل أخيه « جعفر قلي خان قاجار » . وكان هذا قد أحسن من « آقا محمد خان » سوء الظن به ، فكان ، لذلك ، لا يستبعد أن يقدم أخوه على إعمائه كما فعل بأخيه الآخر « مصطفى قلي خان » . ولذلك امتنع عن الحضور إلى طهران ( 1 ) والاجتماع بأخيه . وكان « آقا محمد خان » قد أقام جماعة من الجواسيس على مراقبة أخيه « جعفر قلي خان » يطلعونه على أعماله يوما فيوما . وعلم منهم أن « جعفر قلي خان » يجمع جنودا . فلم ير « آقا محمد خان » من غاية وراء هذا العمل سوى التهيؤ للثورة عليه . ولذلك عزم على القضاء عليه . ومن أجل أن يحمل « آقا محمد خان » أخاه « جعفر قلي خان » على الحضور إلى طهران أصدر مرسوما بتعيينه قائدا للجيش وبعث إليه برسالة قال له فيها إنه عازم على غزو فارس لمحاربة « لطف علي خان » ، ولذلك فإنه يعهد إليه بامرة الجيش ، ويطلب منه أن يبادر بالحضور مع جيشه إلى طهران فينضم إلى جيشه ، جيش « آقا محمد خان » ، ويحصلان من اتحاد الجيشين على جيش قوي تكون قيادته « لجعفر قلي خان » فيسير به إلى غزو فارس مفوضا بان يفعل كل ما يراه لازما لإتمام مهمته إلى أن يقضي على « لطف علي خان » . وأهداه أيضا سيفا مرصعا واثني عشر ألف تومان . وطمانت الهدية خاطر « جعفر قلي خان قاجار » . وجعله مرسوم تعيينه قائدا للجيش يعتقد بان أخاه بحاجة إليه في محاربة « لطف علي خان زند » . وكان حقد « جعفر قلي خان » على « لطف علي خان زند » لا يقل عن حقد « آقا محمد خان » عليه ، شانه في ذلك كشان أبناء « محمد حسن خان أشاقة باش » كلهم ، إذ كان مدة أسيرا عند « كريم خان زند » ويشتهي الانتقام من الزنديين . ولذلك أجاب دعوة أخيه « آقا محمد خان » وسار بجيشه إلى طهران فوصلها في اليوم التاسع من شهر ربيع الأول سنة 1205 ه‍ . فاستقبله أخوه بمظاهر المحبة والسرور وأصبح مطمئنا كل الاطمئنان إليه . وكان « آقا محمد خان » يصاب بين الفينة والفينة بألم عرق النسا فيعجز عن الوقوف والسير بضعة عشر يوما . وأخبر أخاه بذلك وقال إنه مضطر إلى التخلف عن السير معه إلى فارس لأن الوجع أخذه . وأمره بالسير وحده إليها قائدا مطلق اليد لجيشه . وتم الاتفاق على أن يمضي إلى الغزو بعد أسبوع . ثم أذن له بالانصراف . فلما خرج دنا منه أحد رجال البلاط ودعاه إلى تناول الطعام في أحد القصور الملكية بما هو ضيف الملك . وهناك أدخله إلى إحدى الغرف فدخل ، وفي ظنه أنها [ عرفة ] غرفة الطعام . ولكن لم يلبث أن أنقض عليه جماعة فأمسكوا به فادخل أحدهم في فمه شيئا ذا شعبتين يمنعه من إطباق فمه . وجاء بمنديل فجمعه كتلة ودسه في حلقومه ودفعه فيه بوتد وجعل يضرب على طرف الوتد الخارج بمطرقة حتى دخل في قصبة الرئة . وظلوا يمسكون به حتى اختنق وهمد . فأخبروا « آقا محمد خان » بموته ، فدخل عليه وعاينه وتيقن من موته . ثم دعا حاشيته الذين صحبوه إلى طهران وقال لهم إن جعفر قلي خان مات بالسكتة . ثم أمر بدفنه فدفن في مقام « زيد » وقيل في مقام « عبد العظيم » . وبمقتل « جعفر قلي خان قاجار » أمن « آقا محمد خان » جانب أقربائه إذ لم يكن بين من بقي حيا منهم من له تطلعات « جعفر قلي خان » وتشوقه

--> ( 1 ) ذكر « مهدي بامداد » في كتابه « شرح حال رجال إيران » أنه كان مقيما في بسطام « .